ابن قيم الجوزية
368
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الدرجة الأولى رعاية الأعمال : فتوفيرها بتحقيرها . والقيام بها من غير نظر إليها . وإجراؤها على مجرى العلم ، لا على التزين بها » . أما قوله : « صون بالعناية » أي حفظ بالاعتناء ، والقيام بحق الشيء الذي يرعاه . ومنه راعي الغنم . وقوله : « أما رعاية الأعمال : فتوفيرها بتحقيرها » فالتوفير : سلامة من طرفي التفريط بالنقص ، والإفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها . وأما تحقيرها : فاستصغارها في عينه . واستقلالها ، وأن ما يليق بعظمة اللّه وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر . وأنه لم يوفه حقه ، وأنه لا يرضى لربه بعمله ، ولا بشيء منه . وقد قيل : علامة رضى اللّه عنك : إعراضك عن نفسك . وعلامة قبول عملك : احتقاره واستقلاله ، وصغره في قلبك . حتى إن العارف ليستغفر اللّه عقيب طاعته وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سلم من الصلاة استغفر اللّه ثلاثا . وأمر اللّه عباده بالاستغفار عقيب الحج . ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل . وشرع النبي صلى اللّه عليه وسلم عقيب الطهور التوبة والاستغفار . فمن شهد واجب ربه ومقدار عمله ، وعيب نفسه : لم يجد بدا من استغفار ربه منه ، واحتقاره إياه واستصغاره . وأما « القيام بها » فهو توفيتها حقها ، وجعلها قائمة كالشهادة القائمة ، والصلاة القائمة ، والشجرة القائمة على ساقها التي ليست بساقطة . وقوله : « من غير نظر إليها » أي من غير أن يلتفت إليها ويعددها ويذكرها مخافة العجب والمنة بها . فيسقط من عين اللّه . ويحبط عمله . وقوله : « وإجراؤها على مجرى العلم » هو أن يكون العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوة ، إخلاصا للّه . وإرادة لوجهه . وطلبا لمرضاته ، لا على وجه التزين بها عند الناس . الدرجة الثانية : « وأما رعاية الأحوال : فهو أن يعد الاجتهاد مراءاة ، واليقين تشبعا ، والحال دعوى » . أي يتهم نفسه في اجتهاده : أنه راءى الناس . فلا يطغى به . ولا يسكن إليه . ولا يعتد به . وأما عده اليقين تشبعا . فالتشبع : افتخار الإنسان بما لا يملكه . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور » . وعد اليقين تشبعا : يحتمل وجهين : أحدهما : أن ما حصل له من اليقين لم يكن به ، ولا منه ، ولا استحقه بعوض . وإنما هو فضل اللّه وعطاؤه ، ووديعته عنده ، ومجرد منته عليه . فهو خلعة خلعها سيده عليه . والعبد وخلعته ملكه وله . فما للعبد في اليقين مدخل . وإنما هو متشبع بما هو ملك للّه وفضله ومنته على عبده . والوجه الثاني : أن يتهم يقينه ، وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي ، بل ما حصل له منه هو كالعارية لا الملك المستقر ، فهو متشبّع بزعم نفسه بأن اليقين ملكه وله . وليس كذلك . وهذا لا يختص باليقين ، بل بسائر الأحوال . فالصادق يعد صدقه تشبعا . وكذا المخلص